قصة الناي الشرقي
مقالة من إعداد رزق نخّاش
ثمّة فجوات تاريخية شاسعة، يمتد بعضها لآلاف السنين، حول نشأة وتطور آلات النفخ منذ اكتشاف ما يُعتقد أنها أول آلة نفخ موثقة. وقد تم العثور على هذه الآلة خلال تنقيبات في كهف "ديفجي بابي" شمال سلوفينيا، في قلب القارة الأوروبية، ويُ قدر عمرها ما بين 45,000 إلى 50,000 عام.
أما في منطقة الشرق الأوسط، فقد ظهرت أولى آلات النفخ الموثقة في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين، وذلك قبل حوالي 6500 عام.

أقدم آلة نفخ تم توثيقها، والتي يُعتقد أنها كانت الأولى
يُعدّ قدماء المصريين أوّل من طوّر نظاماً نغمياً متكاملاً لآلات النفخ. خلافاً للاعتقاد السائد بأن الناي المصري القديم اقتصر على السلم الخماسي، تؤكد النماذج المحفوظة في متاحف اللوفر والبريطاني وفلورنسا وتورينو والمتحف المصري بالقاهرة، إضافة إلى نموذج الناي المزدوج، أنّ الناي المصري قدّم السلم السباعي (الديايتونيك) كاملاً إلى جانب الخماسي، وذلك قبل ألف عام على الأقل من "اكتشاف" فيثاغورس لهذا السلم الذي لا يزال مستخدماً إلى يومنا. واستناداً إلى تصنيع الناي المصري بأطوال متفاوتة، يمكن الجزم بأنه قدم أيضاً السلم الكروماتيكي للعالم.

الناي المزدوج. مصر القديمة، حوالى القرن 14 ق.م
حدثت ثورة هائلة في آلة الناي لاحقاً بدأت من القرن العاشر الميلادي، وذلك غداة تطوّر الأنظمة الموسيقية العربية والفارسية والتركية للناي الشرقي. انطلقت هذه الثورة بعد ابتعاد الناي عن المراكز الحضرية عقب اندثار الحضارات القديمة في الشرق، ليستقرّ في الممرّات الجبلية والوديان، حيث ظل لآلاف السنين آلة نفخ بسيطة ترافق الرعاة. ولاحقاً، دخل بشكل متدرّج إلى الموسيقى الصوفيّة منذ ظهورها في القرن العاشر.
بناءً على التسلسل الزمني لتطور الموسيقى في تلك الحقبة، تتعزز الفرضية القائلة بأن الناي، بشكله الحالي، قد جاء تالياً للمقام العربي وليس العكس.
كانت السلالم الموسيقية المبكرّة تفتقر إلى الأرباع الصوتية (الربع تون). كان هذا جلياً في الموسيقى المصرية القديمة، وكذلك في تطوّر السلم السباعي في بلاد ما بين النهرين، والذي نشأ في الفترة ذاتها تقريباً التي ظهرت فيها السلالم المصرية القديمة (بين عامي 1800 و1400 قبل الميلاد)، كما يظهر بوضوح في مخطوطة أوغاريت الشهيرة من رأس شمرا في سوريا.
أما الربع تون فقد تم توثيقه لأول مرة خلال العصر الذهبي العباسي في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي. ويكمن الدليل على ذلك في الانتقال من سلّم الكندي المكون من اثنتي عشرة نغمة في منتصف القرن التاسع الميلادي (حيث يعتبر الكندي أوّل من وثّق السلم الموسيقي العربي القديم الذي اعتمد الأبعاد الصوتية التي وضعها فيثاغورس سابقاً) إلى نغمة "الربع تون" التي عرفت بـ "وسطى زلزل" (نسبة إلى منصور زلزل). أحدثت هذه النغمة انقلاباً موسيقياً في السلم العربي، أدى لاحقاً إلى تطوير المقامات العربية كما نعرفها اليوم.

مقتبس من كتاب "الموسيقى الكبير" للفيلسوف الفارابي
كانت "وسطى زلزل" مصاحبة لوسطى الفُرس، وهي إضافة جوهرية انتقلت من الموسيقى الفارسية إلى اللحن العربي، الذي كان يعتمد حتى ذلك الحين على السلم الموسيقي الـ "دياتونيّ" الأساسي. تم تطوير هذه النغمات واقتراحها على دساتين آلة العود، ولاحقاً لمصاحبة الآلات الوترية، كما فصّل الفارابي في كتابه "الموسيقى الكبير". ثم تم تبنيها لآلة الـ "سورناي"، ولكن ليس لآلة الناي.
إنّ الفحص الدقيق لتلك الحقبة يكشف عن حضور قوي للعود، في حين كان حضور الناي محدوداً للغاية، مما يؤدي إلى استنتاج مفاده أنّ العود سبق الناي في تطوير المقام الموسيقي العربي. لقد أسهب الفارابي في شرح العود والآلات الوترية المصاحبة له من حيث النغم الموسيقيّ والمساحة الصوتية، لكنه لم يتطرق إلى الناي إلا بشكل وجيز، مما يشير إلى أن الناي لم يكن جاهزاً بعد لمرافقة العود من حيث النغم والمساحة.
ومن الجدير بالذكر وجود فجوة تاريخية كبيرة في التوثيق الموسيقي تتعلق بتطوّر الناي في هذه الفترة التاريخية المحددة. يمكن تعريف هذا المفترق بشكل أولي من خلال الحضور البارز للناي في الموسيقى الصوفية، خاصة خلال عصر جلال الدين الرومي.

صانع ناي متخيل من العصور الوسطى. من فيلم وثائقي قصير من إعداد رزق نخاش
لم يُوثق حضور الناي في الحلقات الصوفية عند ظهوره الأول في القرن التاسع الميلادي، باستثناء بعض الروايات الشفهية البسيطة. وقد بدأ الحضور التدريجي للناي في الموسيقى المولويّة الصوفية مع صعود الحركة المولوية في القرن الثالث عشر، ليصبح في نهاية المطاف الأداة المعتمدة لمرافقة هذا النمط.
ونظرًا لأن الصوفية كانت بعيدة إلى حد كبير عن المراكز الحضرية، فإن الناي لم يحظَ بنفس المستوى من التدوين والتوثيق التفصيلي مثل الآلات الوترية الأخرى، وأبرزها العود.
يُعتقد عمومًا أنّ عوامل تاريخية وجغر افية وثقافية هامة مهّدت الطريق للناي الحديث منذ وقت مبكر يرجع للقرن العاشر الميلادي. خلال هذه الفترة، نضجت المقامات الموسيقية العربية في بغداد (ولاحقًا في الأندلس) على أيدي موسيقيين بارزين جاء معظمهم من بلاد فارس (ولاحقًا من وسط آسيا وتركيا). في ذلك الوقت تمّت إضافة "وسطى زلزل"، مما ساهم بتطوّر المقام العربي. لاحقًا، تم توسيع نطاق العود بإضافة وتر خامس له. وعلى غرار الفلسفة والرياضيات والطب، كان الحوار الموسيقي مفتوحًا في ذلك الوقت نظرًا للانتشار الواسع للحضارة الإسلامية التي شملت عوالم ثقافية متنوعة. لذلك، يُعتقد أن العرب انكشفوا على آلات نفخ مشابهة لتلك الموجودة في الحضارات المجاورة، مثل آلة "البانسوري" في الهند.
حفّزت هذه العوامل صنّاع وعازفي الناي على توسيع نطاقه النغمي وإثراء ألحانه لاستيعاب المقامات العربية المستحدثة ولمواكبة الآلات الوترية التي كانت تزدهر في المجالس الموسيقيّة.
بناءً على الفترات التاريخية المذكورة أعلاه، يمكن حصر هذا التطور في آلة الناي إلى بداية القرن العاشر الميلادي وحتى القرن السابع عشر الميلادي. هذه هي الفترة التي بدأ فيها الناي بمرافقة الموسيقى المولوية، وكذلك الآلات الوترية في المجالس الموسيقية الحضرية تحت اسم "المزامير". ومع ذلك، فمن المستحيل معرفة التوقيت الدقيق الذي وصل فيه الناي إلى المدى الصوتي والأبعاد النغمية الموثقة منذ القرن الثامن عشر. والسبب في ذلك واضح: فمنذ بداية العصر الذهبي للموسيقى في الحضارة الإسلامية في القرن التاسع الميلادي، مرورًا بجلال الدين الرومي (1207-1273) الذي يرتبط اسمه بقوّة بآلة الناي في التقليد الموسيقي الإسلامي خلال القرن الثالث عشر الميلادي، كان التراث الموسيقي يُنقل شفهيًا وليس عبر التدوين الموسيقي. لذلك، لا توجد مخطوطات موسيقية أصليّة كتبها الرومي نفسه (أو غيره من موسيقيي تلك الفترة) تحدّد بدقة كيف كانت تُغنى أشعاره تحديدًا فيما يتعلق بالناي.

من الأعلى للأسفل: نايات عربية، تركية، وفارسية
ظهور أوّل نموذج موثق للناي الحديث، بعُقده التسع وأبعاده الصوتيّة ومداه النغمي المعروف اليوم، كان في تركيا تحديداً عام 1725م على يد الموسيقي التركي عثمان ديدي (1652-1729). ومن هنا، أميل إلى الاستنتاج أنّ الناي الحديث بشكله الحالي قد نشأ في تركيا.
ويبرز هنا تساؤل موازٍ حول تطوّر الشكل البنيوي للناي: أيهما سبق الآخر خلال مرحلة الانتقال من شكله القديم إلى النموذج الحديث؛ هل هو توسيع مدى الآلة ليتجاوز الديوانين (أوكتاف) ويصل إلى الديوان الثالث، أم تعديل مواضع الثقوب لإنتاج مقامات وسلالم موسيقية مختلفة؟
في هذا السياق، أميل إلى الاعتقاد بأن التجارب البنيوية الأولى على الناي تطورت بشكل متزامن بين المدى الصوتي والمدى النغمي. بدأت المحاولات الأولى لتوسيع المدى الصوتي عبر إضافة المزيد من العقد (الاختناقات) للنموذج القديم ونشوء الخزنة، حتى استقرّ الصناع على تسع عقد، وهو الحدّ الأدنى اللازم لتمكين ناي القصب من إخراج أقصى مدى لمجاله الصوتيّ. وفي الوقت نفسه، بدأت محاولات حساب الأبعاد النغمية عبر تحديد مواقع الثقوب بدقة بعد ضبط الأصوات العمودية للآلة.
إنّ هذه الفجوة الزمنية الهائلة فيما يخص الثورة التي طرأت على الناي الشرقي (من القرن العاشر الميلادي وحتى أول توثيق للناي الحديث عام 1725) تفتح باب الخيال على مصراعيه، ولكن ضمن ضوابط المسار التاريخي الذي صاحب السياق الثقافي والاجتماعي والديني للناي في تلك الحقبة. لذا، أعتقد أنّ صنّاع الناي آنذاك قد أجروا دراسات معمقة لآلات يتجاوز مداها الديوانين، مثل آلة "البانسوري" الهندية، أو على الأقلّ أجروا تجارب مشابهة، لينتقل إلينا لاحقاً من تركيا إلى عواصم بلاد الشام ومصر.

عثمان ديدي (1652-1729)، موسيقي تركي ومطوّر لآلة الناي
يرتبط تاريخ الناي في عصرنا الراهن بثلاثة موسيقيين شكل حضورهم التاريخي المحطة الختامية في مسار تطور هذه الآلة، لتصل إلى الشكل الذي نعرفه اليوم.
عثمان ديدي(1652-1729) / تركيا:
يقترن اسمه بحضور الناي بشكله المعاصر بعد تطورّه الملحوظ (والصامت) ضمن الموسيقى المولوية. كان مُنظّرًا موسيقيًا بارزًا وأحد أعمدة الموسيقى التركية الكلاسيكية، كما انتمى للطريقة المولوية الصوفية وكان عازف ناي قديرًا. اقترح نظام تدوين موسيقي شامل لعصره، مما ساهم في حفظ التراث الموسيقي من تلك الفترة فصاعدًا، كما اقترح عدّة مقامات جديدة إل ى الموسيقى الشرقيّة.
نايب أسد الله (1889-1932) / إيران:
يُعتبر محيي الناي الفارسي منذ عودة هذه الآلة بقوّة لساحة الموسيقى الفارسيّة خلال العهد القاجاري. لم تقتصر مساهمة أسد الله الكبرى على إدخال تقنية النفخ بـ "رقاقة القصدير" (Tinfoil) بعد أن كان الناي الفارسي يُعزف بنفس أسلوب الناي العربي والتركي، متأثرًا بآلة النفخ التركمانية "غارغي تويدوك"، بل طوّر هذه التقنيّة وأدخل تعبيرات صوتية أصبحت لاحقًا سمة مميّزة للهوية الصوتية للناي الفارسي. واصل هذا النهج لاحقًا الموسيقار حسن كسائي (1928-2012) حتى اكتسب الناي الفارسي الحديث هويته المعروفة.
محمود عفت (1935-1994) / مصر:
ارتبط حضوره بنخبة من العازفين الذين أحيوا وجود آلة الناي في المشرق العربي في القرن العشرين، أمثال سيد سالم وحسين فاضل (مصر)، وعبد السلام سفر وبدر الدين حلبية (سوريا)، وخضر إلياس شمعون (العراق). إلا أن الفضل الأكبر في إحياء آلة الناي المعاصرة في عصر النهضة الموسيقية العربية يعود للأستاذ محمود عفت، من خلال دراساته التي ارتقت بالآلة أكاديميًا وموسيقيًا.

محمود عفت (1935-1994)، عازف ناي مصري